وسياقُ الآياتِ يدلُّ على هذا المعنى؛ فإنَّ الآياتِ نزلت بعد تخييرِهنَّ بفراقِ بيوتهنَّ واللحاقِ بأهلهنَّ، أو بالبقاءِ في عصمةِ الزوجيةِ والثباتِ في بيوتهنَّ قَريرةَ أعينِهنَّ بها.
وكلُّكم يعرفُ معنى أن يقولَ القاضي اليومَ للمرأةِ إذا جاءتْه في مشكلةٍ مع زوجها، أو كانت تشكُّ في أنَّ ما قاله لها زوجُها يدلُّ على الطلاق، فالقاضي يقول لها: ارجعي إلى بيتك، اثبتي في بيتك، هذا ليس طلاقًا، استقرِّي مع عيالكِ في بيتك... ونحوُ ذلك من العباراتِ التي تعني بقاءَها زوجةً. وهذا هو ما فهمتْه أمهاتُ المؤمنين؛ حيث رضينَ بالبقاءِ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في بيوتهنَّ، ولم يخترنَ الطريقَ الآخرَ الذي هو التمتُّعُ والسَّراحُ الجميلُ كما في الآية.
وكيف يكونُ معنى الآيةِ هو الحبسَ في البيوتِ مدى الدهر، وهذا أصلًا شُرِع عقوبةً لمن زنت قبل أن ينزل الحدُّ الذي هو مائةُ جلدةٍ أو الرجم؟
«واللاتي يأتين الفاحشةَ من نسائكم فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً منكم، فإن شهدوا فأمسكوهنَّ في البيوت حتى يتوفاهنَّ الموتُ أو يجعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا».
لو كان معنى «وقِرنَ في بيوتكنَّ» هو تحريمَ الخروجِ من البيتِ مطلقًا، لما أذنَ عمرُ رضي الله عنه لأمهاتِ المؤمنين بالحجِّ، ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابةِ هذا الإذن، ولا يُعقل أن يغيبَ هذا المعنى عنهم وهم أهلُ اللغةِ والفقهِ.
روى البخاريُّ في صحيحه: «أذِنَ عمرُ رضي الله عنه لأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في آخرِ حجةٍ حجَّها، فبعثَ معهنَّ عثمانَ بن عفانَ وعبدَ الرحمن» (أي: ابنَ عوف).
وفيه أيضًا عن عائشةَ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: «قلتُ: يا رسولَ الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكنَّ أحسنُ الجهادِ وأجملُه الحجُّ، حجٌّ مبرورٌ». فقالت عائشةُ: «فلا أدعُ الحجَّ بعد إذ سمعتُ هذا من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم».
وذكر المفسرون أن جمهورَ القراء (أي: خمسةٌ من سبعةٍ) قرؤوها بكسرِ القاف، بينما القلةُ منهم (اثنان من سبعةٍ) قرأوا بفتحِ القاف.
ومعظمُ القراء من العجمِ والموالي، غيرُ اثنين من العربِ الأقحاح، هما أبو عمرو وابن عامر، كما قال الشاطبيُّ رحمه الله:
أبو عمروهم واليحصبيُّ ابنُ عامرٍ ... صريحٌ وباقيهم أحاط به الولا
فهذان القارئان العربيان ممَّن قرأها بكسرِ القاف.
وقيل: إن حمزةَ وابنَ كثيرٍ من العربِ الخُلَّص، وهما ممَّن قرأها بكسرِ القاف أيضًا؛ فقراءةُ الكسر أرجحُ إذًا من حيث عددُ القراء، ومن حيث عروبتُهم وعجمةُ غيرهم، ومن حيث اللغة.
يقول الزجاج في «معاني القرآن وإعرابه»:
والأجودُ «وقِرنَ في بيوتكنَّ» بكسرِ القاف، وهو من الوقار، تقول: وَقَرَ يَقِرُّ في المكان.
ويقول البغوي في تفسيره:
ومن
كسر القاف فقد قيل: هو من «قررتُ أقرُّ»، معناه: اقرِرنَ بكسرِ الراء،
فحُذفت الأولى ونُقلت حركتُها إلى القاف كما ذكرنا. وقيل –وهو الأصح–: إنه
أمرٌ من الوقار، أي: كُنَّ أهلَ وقارٍ وسكونٍ، من قولهم: وَقَرَ فلانٌ
يَقِرُّ وقورًا إذا سكن واطمأن.
وأصحُّ كتبِ اللغةِ هو «الصحاح» للجوهري، وهو في كتبِ اللغة العربية كالصحيحين بالنسبة لبقية كتب الحديث، حسبما قال السيوطي في كتابه «المزهر في علوم اللغة وأنواعها».
يقول الجوهري في «صحاحه»:
«والوقار:
الحِلمُ والرزانةُ، وقد وَقَرَ الرجلُ يَقِرُّ وقارًا وقِرَةً إذا ثبت،
فهو وَقورٌ». وقال الله تعالى: «وقِرنَ في بيوتكنَّ».
وفي «مجمل اللغة» لابن فارس:
قال أبو عبيد: هو عندي من الوقار، يقال: قِرْ كما يقال: عِدْ.
وفي تفسير يحيى بن سلام (المتوفى سنة 200 هـ):
قال
عز وجل: «وقِرنَ في بيوتكنَّ»، وهي تُقرأ على وجهين: «قِرنَ» و«وقَرنَ»؛
فمن قرأها «وقَرنَ» فمن قِبَلِ القرار، ومن قرأها «وقِرنَ» فمن قِبَلِ
الوقار.
وفي «معاني القرآن» للفراء (المتوفى 207 هـ):
«وقِرنَ في بيوتكنَّ» من الوقار؛ تقول للرجل: قد وَقَرَ في منزله يَقِرُّ وقورًا.
كلامَ ابن جرير وابن عطية فيه ترجيحُهما –إضافةً لغيرهما من العلماء– لقراءةِ الكسر ونسبتِها للجمهور، خلافًا لما هو مشهورٌ الآن عندنا، حتى ظننا أن الكلمة لا تُقرأ إلا بالفتح، وأنها لا تعني إلا القرار، بينما الواقع خلافُ ذلك كما رأيتم.
رضي الله عن أمهاتِ المؤمنين التقياتِ الورعاتِ الفقيهاتِ، المأموراتِ بتبليغِ ما يُتلى في بيوتهنَّ من آياتِ الله والحكمة، أي: السنة.
وحتى
قراءةُ فتحِ القاف، فقد جوَّز فيها العلامةُ مكيُّ بن أبي طالب أن تكون من
قُرَّةِ العين، فقال في تفسيره «الهداية في بلوغ النهاية»:
«ويجوز أن
يكون من قُرَّةِ العين، هذا على الحذف والاعتلال أيضًا، وشاهده قوله: ذلك
أدنى أن تقرَّ أعينُهنَّ؛ فيكون التقدير: واقرِرنَ عينًا في بيوتكنَّ».
ولما ذكر محمدُ بن يزيد (المبرد) –عفا الله عنه– أن قراءة «وقَرنَ» بفتح القاف لحنٌ، ردَّ عليه أبو جعفر النحاس بقوله:
«يجوز أن يكون «وقَرنَ» من قررتُ به عينًا أقرُّ، فيكون المعنى: واقرِرنَ به عينًا في بيوتكنَّ».
منقول بتصرف
No comments:
Post a Comment