Sunday, May 24, 2026

قوله تعالى "وقِرن في بيوتكن"، بكسر القاف لجمهور القراء

قراءةُ الجمهورِ لهذه الآيةِ بكسرِ قافِ «قِرن»؛ ليكون المعنى: الوقار في البيوت، كما اختاره ابنُ جريرٍ الطبريُّ في تفسيره، أو بمعنى: قُرَّة العينِ بها.

وسياقُ الآياتِ يدلُّ على هذا المعنى؛ فإنَّ الآياتِ نزلت بعد تخييرِهنَّ بفراقِ بيوتهنَّ واللحاقِ بأهلهنَّ، أو بالبقاءِ في عصمةِ الزوجيةِ والثباتِ في بيوتهنَّ قَريرةَ أعينِهنَّ بها.

وكلُّكم يعرفُ معنى أن يقولَ القاضي اليومَ للمرأةِ إذا جاءتْه في مشكلةٍ مع زوجها، أو كانت تشكُّ في أنَّ ما قاله لها زوجُها يدلُّ على الطلاق، فالقاضي يقول لها: ارجعي إلى بيتك، اثبتي في بيتك، هذا ليس طلاقًا، استقرِّي مع عيالكِ في بيتك... ونحوُ ذلك من العباراتِ التي تعني بقاءَها زوجةً. وهذا هو ما فهمتْه أمهاتُ المؤمنين؛ حيث رضينَ بالبقاءِ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في بيوتهنَّ، ولم يخترنَ الطريقَ الآخرَ الذي هو التمتُّعُ والسَّراحُ الجميلُ كما في الآية.

وكيف يكونُ معنى الآيةِ هو الحبسَ في البيوتِ مدى الدهر، وهذا أصلًا شُرِع عقوبةً لمن زنت قبل أن ينزل الحدُّ الذي هو مائةُ جلدةٍ أو الرجم؟

«واللاتي يأتين الفاحشةَ من نسائكم فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً منكم، فإن شهدوا فأمسكوهنَّ في البيوت حتى يتوفاهنَّ الموتُ أو يجعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا».

لو كان معنى «وقِرنَ في بيوتكنَّ» هو تحريمَ الخروجِ من البيتِ مطلقًا، لما أذنَ عمرُ رضي الله عنه لأمهاتِ المؤمنين بالحجِّ، ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابةِ هذا الإذن، ولا يُعقل أن يغيبَ هذا المعنى عنهم وهم أهلُ اللغةِ والفقهِ.

روى البخاريُّ في صحيحه: «أذِنَ عمرُ رضي الله عنه لأزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في آخرِ حجةٍ حجَّها، فبعثَ معهنَّ عثمانَ بن عفانَ وعبدَ الرحمن» (أي: ابنَ عوف).

وفيه أيضًا عن عائشةَ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: «قلتُ: يا رسولَ الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكنَّ أحسنُ الجهادِ وأجملُه الحجُّ، حجٌّ مبرورٌ». فقالت عائشةُ: «فلا أدعُ الحجَّ بعد إذ سمعتُ هذا من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم».

وذكر المفسرون أن جمهورَ القراء (أي: خمسةٌ من سبعةٍ) قرؤوها بكسرِ القاف، بينما القلةُ منهم (اثنان من سبعةٍ) قرأوا بفتحِ القاف.

ومعظمُ القراء من العجمِ والموالي، غيرُ اثنين من العربِ الأقحاح، هما أبو عمرو وابن عامر، كما قال الشاطبيُّ رحمه الله:

أبو عمروهم واليحصبيُّ ابنُ عامرٍ ... صريحٌ وباقيهم أحاط به الولا

فهذان القارئان العربيان ممَّن قرأها بكسرِ القاف.

وقيل: إن حمزةَ وابنَ كثيرٍ من العربِ الخُلَّص، وهما ممَّن قرأها بكسرِ القاف أيضًا؛ فقراءةُ الكسر أرجحُ إذًا من حيث عددُ القراء، ومن حيث عروبتُهم وعجمةُ غيرهم، ومن حيث اللغة.

يقول الزجاج في «معاني القرآن وإعرابه»:
والأجودُ «وقِرنَ في بيوتكنَّ» بكسرِ القاف، وهو من الوقار، تقول: وَقَرَ يَقِرُّ في المكان.

ويقول البغوي في تفسيره:
ومن كسر القاف فقد قيل: هو من «قررتُ أقرُّ»، معناه: اقرِرنَ بكسرِ الراء، فحُذفت الأولى ونُقلت حركتُها إلى القاف كما ذكرنا. وقيل –وهو الأصح–: إنه أمرٌ من الوقار، أي: كُنَّ أهلَ وقارٍ وسكونٍ، من قولهم: وَقَرَ فلانٌ يَقِرُّ وقورًا إذا سكن واطمأن.

وأصحُّ كتبِ اللغةِ هو «الصحاح» للجوهري، وهو في كتبِ اللغة العربية كالصحيحين بالنسبة لبقية كتب الحديث، حسبما قال السيوطي في كتابه «المزهر في علوم اللغة وأنواعها».

يقول الجوهري في «صحاحه»:
«والوقار: الحِلمُ والرزانةُ، وقد وَقَرَ الرجلُ يَقِرُّ وقارًا وقِرَةً إذا ثبت، فهو وَقورٌ». وقال الله تعالى: «وقِرنَ في بيوتكنَّ».

وفي «مجمل اللغة» لابن فارس:
قال أبو عبيد: هو عندي من الوقار، يقال: قِرْ كما يقال: عِدْ.

وفي تفسير يحيى بن سلام (المتوفى سنة 200 هـ):
قال عز وجل: «وقِرنَ في بيوتكنَّ»، وهي تُقرأ على وجهين: «قِرنَ» و«وقَرنَ»؛ فمن قرأها «وقَرنَ» فمن قِبَلِ القرار، ومن قرأها «وقِرنَ» فمن قِبَلِ الوقار.

وفي «معاني القرآن» للفراء (المتوفى 207 هـ):
«وقِرنَ في بيوتكنَّ» من الوقار؛ تقول للرجل: قد وَقَرَ في منزله يَقِرُّ وقورًا.

 كلامَ ابن جرير وابن عطية فيه ترجيحُهما –إضافةً لغيرهما من العلماء– لقراءةِ الكسر ونسبتِها للجمهور، خلافًا لما هو مشهورٌ الآن عندنا، حتى ظننا أن الكلمة لا تُقرأ إلا بالفتح، وأنها لا تعني إلا القرار، بينما الواقع خلافُ ذلك كما رأيتم.

رضي الله عن أمهاتِ المؤمنين التقياتِ الورعاتِ الفقيهاتِ، المأموراتِ بتبليغِ ما يُتلى في بيوتهنَّ من آياتِ الله والحكمة، أي: السنة.

وحتى قراءةُ فتحِ القاف، فقد جوَّز فيها العلامةُ مكيُّ بن أبي طالب أن تكون من قُرَّةِ العين، فقال في تفسيره «الهداية في بلوغ النهاية»:
«ويجوز أن يكون من قُرَّةِ العين، هذا على الحذف والاعتلال أيضًا، وشاهده قوله: ذلك أدنى أن تقرَّ أعينُهنَّ؛ فيكون التقدير: واقرِرنَ عينًا في بيوتكنَّ».

ولما ذكر محمدُ بن يزيد (المبرد) –عفا الله عنه– أن قراءة «وقَرنَ» بفتح القاف لحنٌ، ردَّ عليه أبو جعفر النحاس بقوله:
«يجوز أن يكون «وقَرنَ» من قررتُ به عينًا أقرُّ، فيكون المعنى: واقرِرنَ به عينًا في بيوتكنَّ».

منقول بتصرف 

Tuesday, February 27, 2024

"ءأعجمي وعربي" موسوعة معجمية ولغوية وتاريخية

 

كتاب فريد في الرد على المستشرقين

أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ

 


 

موسوعة معجمية ولغوية وتاريخية

في نفي اللغات الأعجمية عن القرآن الكريم

تأليف: فخر الدين حمزة بن سليمان الكهرمان أبادي

 

المحتويات:

أولا: تاريخ نشأة اللغات العربية وفضل العربية على سائر اللغات.
 
 القسم الأول: الخاص بتاريخ نشأة اللغات عمومًا، ونشأة اللغات السامية خصوصًا، ثم فندنا الأدلة والبراهين العلمية، من خلال النقولات النصية من كتب أساطين المستشرقين المتخصصين في علم اللغات، ومن بطون أمهات الكتب والموسوعات العلمية المعتمدة من كبار المعاهد والكليات العالمية، على أن اللغة العربية هي أقرب اللغات السامية للأصل السامي، وأكثرها شبهًا بها، ولا يُدانيها في شرفها ورفعتها لغة من اللغات؛ وقد كان السبب المباشر لإقامة مثل هذا الفصل تحديدًا، هو إثبات أن اللغة العربية هي الممتلكة لعلامات السيادة جميعًا، فإليها تؤول عصا الرياسة، ومن أصالتها ورثت السقاية والرفادة، فلا ينازعها في عراقتها لغة من لغات العالم، ساميةً كانت أو غير سامية، وإنما كان المبحث مختصًا باللغات السامية.

ثانيًا: طرائق توثيق وحفظ النص القرآني.
 
القسم الثاني: وهو القسم المختص بطرائق توثيق النص القرآني المقدس، وفيه عرضنا للأساليب التي تم اتباعها منذ مايزيد على أربعة عشر قرنًا في كيفية انتقال النص القرآني بالحفظ غيبًا في الصدور، وقيدًا في السطور، وأوردنا من خلاله الأسباب التي ساهمت في حفظ النص القرآني بالتحفيز في الدنيا والآخرة، وهو ما تفرَّد به القرآن الكريم عن سائر الكتب الأخرى، فقد شرَّفت الأمة حامل القرآن الكريم، وجعلته في صدر كل مجلس، وما من أمة من العالمين تصنع بمن يحفظ كتابها كما فعلت الأمة الإسلامية فكان ذلك حافزًا لجموع الناس بحفظ القرآن الكريم.
 
 ثالثًا: الرد على تفسير القرآن الكريم بالهيروغليفية.

القسم الثالث: وهو الجزء الخاص بالرد على تفسير القرآن الكريم بالهيروغليفية. ولعل عنوان كتابه يبيِّن جهله بأبجديات علوم المصرية القديمة، فالهيروغليفية ليست لغةً أصلًا حتى يُفسر بها القرآن الكريم، وإنما هي إحدى خطوط اللغة المصرية القديمة الأربعة، فلا ينبغي أن يُساق إليها الأفهام على أنها لغة، وهذا من تمام جهله بالمصرية القديمة. وقد جاء هذا الفصل في بيان فساد وعوار من زعم بأن الحروف المقطعة في فواتح السور القرآنية تنحدر من أصولٍ مصريةٍ قديمة، وقام بالتلبيس والتدليس والتلفيق في أكثر من موضع، وقد عرضنا بداية الفصل بمقدمة عامة عن اللغة المصرية القديمة، وتاريخها وحروف هجائها، وكيفية قراءتها ونحو ذلك، ثم عمدنا إلى مقدمة أخرى واشتملت على بيان من لجنة الفتوى بالمملكة العربية.

القسم الرابع: وهو الجزء الخاص بالرد على القراءة الآرامية للنص القرآني،
ولعل هذا الجزء تحديدًا هو من أفسد ما قرأت واطلعت عليه، فقد بدأ بهذا الزعم والافتراء المجنَّس الألماني من أصلٍ لبناني يدعى: «كريستوف ليكسونبرج - «Christoph Luxenberg والذي يستخدمه كاسمٍ مستعار، ونشر كتابه للمرة الأولى بالألماني عام(2000.م). ثم تبعه بعد ذلك المجنَّس الأمريكي من أصلٍ لبناني واسمه: «غبريال صوما - «Gabriel Sawmaونشره عام (2006.م). وقد قلَّد أستاذه الأول وزاد عليه ما الله به عليم..! فكل ما جاء به لا يعدو أن يكون جهلًا مركبًا لا يقوم على دليل، وكلاهما قد زعم بأن القرآن الكريم الذي بين أيدينا لا يُقرأ كما هو الآن، وإنما يُقرأ بشكلٍ مختلف، عن طريق إبدال إعجام الحروف، وقد ابتكر هذه المدرسة الأول، وسار على نهجه بها الذي جاء بعده، حتى أن أحد الشباب العربي قد قلَّده واتخذه أستاذًا له يُروج لكتابه ويعتقد بكل ما فيه، ولعل سبب تسميتي لكلٍّ من لوكسمبورغ، وصوما بالمجنَّسين، ولم أسبغ عليها لقب عالمٍ أو مستشرقٍ لكونهما لا يستحقان أن يُلحق باسمهما إلا ما قد سبق، فالموسوعة تقدر لكل شخصٍ حقه ولا تجحده، فقد أطلقت على كثير من المستشرقين المشهور عدائهم للإسلام بألقابٍ استحق كل واحدٍ منهم أن تلحق باسمه، فهم على عداوتهم الشديدة للإسلام، إلا أنه لا يمكن أبدًا إنكار أنهم من أساطين الاستشراق، ومن نوابغ عصرهم في العلم والأدب، وإنما الإيمان بالله يكون لمن ذاق حلاوة الإيمان، ولا يُشترط في كل من يُخالف دين الله أو يعاديه أن يكون غير عالم، بل على العكس تمامًا، وإنما يُعاقب الله أمثال هؤلاء بعلمهم، فيكونون أول من يُسعَّرُ به النار، لأنه تعلم ولم ينتفع بعلمه شيء، إما تهاونٌ وتخاذل، وإما جحودٌ واستكبار.

خامسًا: القسم الخامس: الخاص بالرد التأصيلي على المفردات المزمع عجمتها لدى بعض النحاة العرب وهو القسم الأخير والخاص بالرد التأصيلي على المفردات المزمع عجمتها لدى بعض النحاة العرب والمستشرقين في القرآن الكريم. 
وقد عمدنا في هذا الفصل إلى الإتيان بكل كتب المعرَّب عند علماء المسلمين العرب، وعند أساطين المستشرقين ممن تكلموا في هذا الباب، وقمنا بسبر وتمحيص كل تلك الكتب جميعًا، وقمنا بسرد جميع الكلمات المزمع عجمتها داخل النص القرآني المقدس، ثم قمنا بتقسيم هذه الكلمات إلى مفردات وأسماء، وقمنا بعمل جداول تفصيلية تُبين أماكن وجود الكلمة في كل كتاب منهم من خلال رموزٍ خاصة اعتمدناها في مقدمة الكتاب، ثم قمنا بتحليل كل مفردة قرآنية بشكلٍ مستقل، عن طريق بيان تواجدها في كتب المعرب وكتب الاستشراق، ثم كشف الزعم الاستعاري المزمع انحدارها منه والرد عليه تاريخيًا.
 

 عرض قتاة الدعوة الإسلامية للكتاب:



Monday, February 12, 2024

حديث غوص قوائم فرس سراقة أثناء هجرة النبي ﷺ

يشكك بعض المغرضين في حديث غوص قوائم فرس سراقة بن مالك أثناء ملاحقته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله عنه - أثناء هجرتهما إلى المدينة، والذي فيه قول سراقة: «ساخت يدا فرسي حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها...» الحديث. زاعمين أن غوص قوائم الجواد في الأرض من المبالغات التي لا يصدقها عقل، وإن حدثت، فإن ذلك يرجع للعوامل الطبيعية التي جعلت سراقة يطمع في الجائزة الثمينة التي عرضتها قريش، فكان عليه أن يجهد الجواد في أرض رخوة، لذلك كبا به، ووقع من فوقه، فتشاءم، ثم رجع. أما أن تغوص أقدام الفرس إلى بطنه في الرمال، فهذا يقتضي ألا ينهض إلا بعد مشقة وعناء وطول وقت. رامين من وراء ذلك إلى الطعن في السنة النبوية الصحيحة، واتهامها بأنها تحوي مبالغات لا يقبلها العقل؛ تمهيدا لإقصائها عن واقع المسلمين.

وجه إبطال الشبهة:

·   إن حديث غوص قوائم فرس سراقة في الرمال حديث صحيح، بل في أعلى درجات الصحة؛ إذ اتفق على روايته الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما، وما ورد فيه ليس من المبالغات، بل معجزة أيد بها الله - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم، وليست من عوامل الطبيعة - كما زعموا، وإلا فلماذا لم تسخ أقدام الفرس بعد أن أخذ سراقة الأمان، والأرض هي الأرض، والفرس هي الفرس؟!

التفصيل:

بداية، نشير إلى أن المعجزة أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على أيدي الأنبياء والمرسلين تأييدا لهم، ودليلا على نبوتهم، وهي ليست من عمل النبي وكسبه، وإنما هي خلق محض من الله تعالى على خلاف سنته في الكائنات، ومن ثم فلا مجال لحكم العقل عليها؛ لأنها خارج حدود العقل، كما أن العقل غير مطالب بتفسيرها.

ومن هذه المعجزات التي أيد الله بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - أثناء هجرته - غوص قوائم فرس سراقة بن مالك في الرمال عند محاولته اللحاق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر؛ لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث سراقة بن مالك وغوص قوائم فرسه أثناء الهجرة حديث صحيح، أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما، والبيهقي والحاكم أيضا.

فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب، أن سراقة بن مالك بن جعشم قال: «... فركبت فرسي - وعصيت الأزلام - تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان[1] ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبارا ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني[2]، ولم يسألاني، إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم»[3].

هذا هو لفظ البخاري، وأما مسلم فقد روى في صحيحه عن البراء بن عازب في الحديث الطويل - حديث الرحل - أن أبا بكر قال: «فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جلد من الأرض، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتينا، فقال: لا تحزن؛ إن الله معنا، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتطمت فرسه إلى بطنها، أرى فقال: إني قد علمت أنكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجي، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال: ووفى لنا». ومن رواية عثمان بن عمر: «فلما دنا دعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه، وقال: يا محمد! قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي لأعمين على من ورائي...»[4].

فهذا الحديث متفق عليه؛ إذ رواه البخاري ومسلم، وكل ما اتفق عليه الشيخان فهو في أعلى درجات الصحة، وإذا كان الحديثان صحيحين فهذا ما يؤكد ثبوت تلك المعجزة، وينفي أن تكون بفعل العوامل الطبيعية كما زعم الزاعمون، ومما يبين ذلك أنهم كانوا في "جلد من الأرض" أي: في أرض صلبة. يقول الإمام النووي في شرحه لمعنى كلمة "جلد": "أي: أرض صلبة، وروي: "جدد"، وهو المستوى، وكانت الأرض مستوية صلبة، فغاصت قوائمها في تلك الأرض الجلد[5].

فإن كانت الأرض مستوية صلبة ليست رخوة، فأين العامل الطبيعي الذي كان سببا في غوص قوائم الفرس إذن؟!

ويؤيد ذلك أبو الفرج نور الدين الحلبي في "السيرة الحلبية" فيما ينقله بلسان سراقة بن مالك قال: "وساخت - أي: غابت - يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، أي: وكانت الأرض جلدة فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عثان - أي غبار - ساطع في السماء مثل الدخان مع كون الأرض جلدة"[6].

وقد وردت كلمة "جلدة" بمعنى صلبة في رواية مسلم التي رواها عن أبي بكر - رضي الله عنه - وهو أعلم بطبيعة هذه الأرض؛ لأن أبا بكر كان يسير بقدمه عليها.

ومما يقطع بكونها معجزة من عند الله تعالى تأييدا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وليست من فعل العوامل الطبيعية، أو بسبب جهد الجواد - ما قاله سراقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما غاصت قوائم فرسه: "إني قد علمت أنكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجي"، وما رواه عثمان بن عمر من قول سراقة للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد! قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك على لأعمين على من ورائي"، وهذا فيه كفاية على علمه بأن ذلك بسبب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر عليه، لا بفعل العوامل الطبيعية.

ونقول لمن ينفي هذه المعجزة، لماذا لم تسخ أقدام الفرس بعد أن أخذ سراقة الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هل تغيرت التربة من تحت قوائم فرسه، أو تغير الفرس نفسه؟! إن هذا وذاك لم يحدث، بل استطاع أن يرجع سراقة بجواده مرة أخرى حتى وصل مكة، وهذا دليل آخر على تحقيق هذه المعجزة.

وقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له أن يلبس سواري كسرى، فلما أتى عمر بسواري كسرى، ومنطقته[7]، وتاجه دعا سراقة بن مالك وألبسه إياها. وكان سراقة رجلا أزب - أي كثير الشعر - كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، وقل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة رجلا أعرابيا من بني مدلج، ورفع عمر صوته.

وقد ذكر أنه كتب شعرا بعدما عاد من رحلته، وما حدث فيها من معجزات للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنشد يقول:

أبا حكم والله لو كنت شاهدا        لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت ولم تشكك بأن محمدا           رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

عليك بكف القوم عنه فإنني          أرى أمره يوما ستبدو معالمه

بأمر يود الناس فيه بأسرهم          بأن جميع الناس طرا يسالمه[8]

وبهذا يتبين لنا أن الرواية التي قصت ما حدث مع سراقة بن مالك رواية صحيحة لا تشوبها شائبة، وأنها معجزة من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي جاءت بها كتب السنة الصحيحة، وقد جاءت في أصح كتابين بعد كتاب الله عز وجل، والتي اتفق المسلمون جميعا سلفا وخلفا على صحتهما وحجية ما جاء فيهما.

فكيف يدعون أن الفرس كبا نتيجة إجهاده وتعبه، وأن هذه مبالغات لا داعي لذكرها؟!

الخلاصة:

·   المعجزة تختلف عن القانون العام السائر في الكون، فلا تقاس عليه أو تقارن به، وقدرة الله التي لا حدود لها هي الكامنة وراء المعجزة، فالله تعالى هو خالق الكون وناموسه، وقادر على تغيير تلك النواميس في أي لحظة؛ تصديقا لرسوله وتأييدا له؛ لذلك فلا غرابة في أن تكون المعجزة خارقة للعادة بقدرة الله تعالى؛ ومن ثم فلا تقاس هذه الأمور بالعقل ما دامت قد ثبتت بالنقل الصحيح.

·   إن حديث غوص قوائم فرس سراقة بن مالك أثناء ملاحقته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر - رضي الله عنهما - وهما في طريق الهجرة إلى المدينة حديث صحيح، اتفق على صحته الشيخان؛ البخاري ومسلم، وما اتفق عليه الشيخان يكون في أعلى درجات الصحة، ولا مجال للتشكيك فيه، لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.

·   إن متون الأحاديث التي ذكرت قصة غوص قوائم فرس سراقة بن مالك في الرمال، تؤكد حدوث هذه المعجزة التي حدثت لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن هذا تأييد من الله - عز وجل - لنبيه، وليس من فعل العوامل الطبيعية؛ لأن هذه الأحاديث ذكرت أن سوخ قوائم الفرس كان في أرض صلبة، وليس في أرض رخوة كما[9] يدعون، كما أن الأرض لم تتغير من تحت قوائم الجواد، فلماذا لم تسخ أثناء رجوعه، بعد أخذه الأمان
من النبي صلى الله عليه وسلم.

(*) دفاع عن السنة المطهرة، علي بن إبراهيم حشيش، دار العقيدة, مصر، ط1, 1426هـ/ 2005م.

[1]. العثان: الغبار.

[2]. يرزآني: ينقصاني مما معي شيئا.

[3]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه إلى المدينة، (7/ 281)، رقم (3906).

[4]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل، (9/ 4102)، رقم (7386، 7387).

[5]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (9/ 4104) بتصرف.

[6]. السيرة الحلبية، أبو الفرج نور الدين علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، تحقيق: عبد الله محمد الخليلي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ/ 2002م، (2/ 59).

[7] . المنطقة: كل ما شد به الوسط.

[8]. أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، دار الفكر، بيروت، 1390هـ/ 1970م، (2/ 180) بتصرف. 

المصدر

Saturday, October 22, 2022

Jamovi ROC Curve, AUC & Diagnostic Test Accuracy

In this tutorial, we will demonstrate how to perform ROC (Receiver Operator Characteristic) graphs and AUC (the area under the curve) easily using jamovi software.

1- Download Jamovi

2- Install ("psychoPDA: Psychometrics & Post-Data Analysis") module within jamovi library. See how.

3- Click on "PPDA" module 





4-Choose TestROC (Test Response Operating Characteristic module ) 



5- Place the column containing responses (the results of your diagnostic test e.g. the measured values of a new marker) in the 'Dependent Variable' slot.

6- Place the column containg classification obtained by the gold standard test in the 'Class Variable' slot as a binary variable (yes/no - Diseased/not diseased)

7- At "positive class", type "yes" or "Diseased" or "1" as suitable from your dataset.

8 -[Optional] Place a grouping variable in the 'Grouping Variable' slot e.g "sex" or "status" being a case or a control..etc

9- Automatically, Jamovi will calculate senstivity, specificity, Positive Predictive Value (PPV), Negative Predictive Value (NPV) and Youden's Index of the “optimal” cutpoints in "Results table" .

10- If desired, the values used to calculate sensitivty and specificity at each observed score/cutpoint can be provided in a series of tables by checking "senstivity-specificity tables" under "visualization".

11- ROC curves are automatically plotted with sensitivity is on the y-axis, and 1 - specificity is on the x-axis. 

12- Final optimal cut-off point depends on being clinically relevant. Many indices were proposed to help. ( Reference 1 , Reference 2)

 

 

N.B. PPDA's TestROC is based on "cutpointr" R package (view @CRAN). [Thiele, C., & Hirschfeld, G. (2021). cutpointr: Improved Estimation and Validation of Optimal Cutpoints in R. Journal of Statistical Software, 98(11), 1–27. https://doi.org/10.18637/jss.v098.i11]


https://lucasjfriesen.github.io/jamoviPsychoPDA_docs/measureDiagnostics_testROC_comprehensive.html

 




Sunday, October 16, 2022

understanding logarithms of Bayes factors...JJStatsPlot module output in Jamovi and ggstatsplot in R .

A Bayes factor is the ratio of the likelihood of one particular hypothesis to the likelihood of another. It can be interpreted as a measure of the strength of evidence in favor of one theory among two competing theories.

Bayes factor gives us a way to evaluate the data in favor of a null hypothesis,

 If the BF01 is 5 then it means the null hypothesis is 5 times as likely as the alternative hypothesis given the data. Conversely, if the BF01 is 1/5 then it means that the alternative hypothesis is 5 times as likely as the null hypothesis given the data.

N.B: BF10 = 1/BF01.

BF10 indicates the Bayes factor in favor of H1 over H0, whereas BF01 indicates the Bayes factor in favor of H0 over H1.

-----------

If loge(BF01) is

then you have…

≥ 2

Extreme evidence for H0

1.5-  <2

Very strong evidence for H0

1-      <1.5

Strong evidence for H0

.5- <1

Moderate evidence for H0

0 - <.5

Anecdotal/weak evidence for H0

 

No evidence

Negative

Anecdotal evidence for H1

Moderate evidence for H1

Strong evidence for H1

Very strong evidence for H1

Extreme evidence for H1

 

 

 

 

 

 

 

 




loge (BF01) = -0.18 means that there is more evidence for the alternative hypothesis but it's anecdotal/weak.

 

 

 

 

-----------

 


The default Cauchy is centered on 0 and has a scale factor "r" that determines the width. 

This scale factor happens to equal the interquartile range, such that, when r=0.707 for instance, 50% of the prior mass lies in the interval from -0.707 to +0.707.

JZS: Jeffreys-Zellner-Siow prior..
 

N.B. Any comments, explanations, additions or corrections are welcome

Update: I found a great video explaining similar results at yuzaR Data Science channel; from which I found this great explanation:



Resources:

https://ptfonseca.github.io/pcal/reference/bfactor_log_interpret.html

https://www.statology.org/bayes-factor/

https://www.statisticshowto.com/bayes-factor-definition/

https://forum.cogsci.nl/discussion/3236/setting-cauchy-prior-scaling-in-bayesian-t-test-use-related-effect-size

Friday, June 10, 2022

سن الزواج في الهندوسية

ما يُسمى بكتاب الهندوس المقدس عند الذين يقدسون البقر يذكر أنه:
 إذا كان الزوج عمره 30 سنة يكون عمر الزوجة 12 سنة وإذا كان الزوج عمره 24 سنة يكون سن الزوجة 8 سنوات.
ثم إن الهندوسية لا تشترط البلوغ في البنت حتى يتم الزواج، بل يسمح بتزويجها حتى قبل أن تبلغ المحيض،
 و لا تضع حدًّا للفرق العمري و عدد السنوات بين الزوج و الزوجة. 
هذا بغض النظر أن بعض كبار الآلهة عند الهندوس قد مارسوا زنا المحارم مع بناتهم في السماء بنص كتبهم الدينية.
.

 

Tuesday, June 15, 2021

وهم أزلية المادة والكون عند الكفار الملاحدة

 

الملحد ووهم أزلية المادة والكون


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد انتشر في عصرنا مرض الإلحاد، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة؛ إذ يفتك بالإيمان، ويُعمي الحواس عن أدلة وجود الخالق الرحمن، وتجد المريض به يجادل في البديهيات، ويجمع بين النقيضين، ويفرِّق بين المتماثلين، ويجعل من الظن علمًا، ومن العلم جهلًا، ومن الحق باطلًا، ومن الباطل حقًّا.

 

ومن عوامل انتشار هذا المرض: الجهل بالدِّين، وضعف العقيدة واليقين، والاسترسال في الوساوس الكفرية، والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصل.

 

وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل، وادعاءات بلا مستند، ورغم ضعفها وبطلانها فإنها قد تؤثِّر في بعض المسلمين؛ لقلة العلم، وازدياد الجهل بالدِّين؛ ولذلك كان لا بد من كشف شبهات ومغالَطات ودعاوى أهل الإلحاد؛ شُبهة تلو الأخرى، ومغالطة تلو المغالطة، ودعوى تلو الدعوى؛ حتى لا ينخدع أحد بكلامهم وشُبَههم.

 

وفي هذا المقال سنتناول - بإذن الله - النقض لإحدى هذه الشُّبَه والمغالطات والدعاوى، وهي قولهم بأزلية المادة وأزلية الكون، فعندما تسأل أحد الملاحدة عمن أوجد المادة؟ يجيب: المادة أزلية موجودة منذ الأزل، فليست بحاجة إلى خَلْق وخالق، وعندما تسأل أحدهم عمن خلق الكون؟ يجيب: الكون وُجد منذ الأزل، والكون ليس إلا مادة وطاقة، ومادة الكون أزلية، والكون أزلي ليس بحاجة لخالق، ويستدل بعضهم بأن المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، ويستدل بعضهم بنظرية الحالة المستقرة، وبعضهم يستدل بفرضية الكون المتذبذب، وبعضهم يقول: إن المفردة التي نشأ منها الكون أزلية، وكل هذه الأقوال ظُنونٌ وأوهام لا تغني من الحق شيئًا.

 

ما هي المادة؟ وما هو الكون؟ وما صفات الشيء الأزلي؟

وقبل نقض شبهة أزلية المادة والكون لا بد أن نعرف ما هي المادة؟ وما هو الكون؟ وما صفات الشيء الأزلي؟ وكلنا نعلم أن المادة هي كل ما له كتلة وحجم ويَشغَل حيزًا في الفراغ، ومن أمثلة المادة: الماء، والهواء، والكواكب، والنجوم، والنباتات، والجمادات، والحيوانات، وغير ذلك.

 

والكون هو ذلك الفضاء المحيط بنا، وكل ما يحويه من مجرات ونجوم وكواكب، وغير ذلك.

 

وكلنا يعلم أن الأزلي ما ليس لوجوده بداية؛ فوجودُه ذاتي لا ينفك عنه؛ أي: يبقى إلى الأبد، ولا يعتمد في وجوده ولا استمرار وجوده على غيره؛ فهو مُستغنٍ عن غيره، ولا يتبدَّل ولا يتغير.

 

تحول المادة إلى طاقة ينافي الأزلية:

ومن المعلوم أن المادة يمكن أن تتحول إلى طاقة، والطاقة يمكن أن تتحول إلى مادة - طبقًا لقوانين معينة، وهذا يدل على أن الوجود ليس صفة ذاتية ملازمة للمادة أو الطاقة؛ إذ لو كان الوجود صفة ذاتية ملازمة للمادة، لَمَا انفك عن المادة وفارَقها بأي حال من الأحوال، ولو كان الوجود صفة ذاتية ملازمة للطاقة، لَمَا انفك عن الطاقة وفارقها بأي حال من الأحوال؛ أي: إن الوجود صفة عارضة للمادة والطاقة، تعرِضُ للمادةأو الطاقة في بعض الأحوال، وتنفك عن المادة أو الطاقة في بعض الأحوال، وهذا يستلزم أن يكون لوجود المادة بداية؛ أي: المادة مُحدَثة ليست أزلية، وكل محدَثٍ له محدِثٌ.

 

تحول المادة من صورة لأخرى ينافي الأزلية:

ومن المعلوم أن المادة يمكن أن تتحول من صورة لصورة أخرى - طبقًا لقوانين معينة، والتحول والتغير يدل على أن بقاء المادة في صورة معينة يحتاج إلى شروط معينة خارجة عن ذاتها، فإذا زالت تلك الشروط زالت تلك الهيئة والصورة؛ أي: المادة تحتاج إلى شروط معينة كي تبقى على صورة معينة، وحاجة الشيء إلى غيره تعني أنه غير مستغنٍ بنفسه عن غيره، وهذا معناه أنه غير قائم بذاته؛ أي: يحتاج إلى مَن يقيمه؛ أي: يحتاج إلى غيره، وهذا ينافي الأزلية.

 

خضوع المادة لقوانين لا تحيد عنها: ينافي الأزلية:

ومن المعلوم أن أي مادة من المواد في الكون تخضع لقوانين معينة، ولا تستطيع المادة الخروج عن هذه القوانين، ويستحيل عليها تغييرها، ولو كانت هذه القوانين من المادة نفسها، لكان بإمكانها أن تغيرها، لكن الواقع أنها لا تستطيع تغييرها، ولا الخروج عنها، وإنما هي مفروضة عليها فرضًا؛ فدلَّ ذلك على أن هذه القوانين ليست من المادة، وبالتالي فهي مفروضة من غيرها، ووجود قانون ما يدل على وجود مقنِّن واضع لهذا القانون سبق القانون، والمادة تحكمها قوانين، ومقنِّن القوانين وواضعها سابق للقوانين؛ مما ينافي القول بأزلية المادة، وإذا كان للمادة قدر لا تستطيع تجاوزه، وتعجِز عنده - فهي مخلوقة لا محالة.

 

احتجاج الملاحدة بأن المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم على أزلية المادة:

يحتجُّ بعض الملاحدة على أزلية المادة بأنها لا تفنى ولا تُستحدث من عدم؛ معلِّلين ذلك بعلة عليلة، فيقولون: إذا كان في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في الوجود - أي: لم يكن هناك وجود للمادة - فمن أين لها أن تنشأ؟! ولكن وجود المادة يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات، وفي الطبيعة لا ينشأ شيء من لا شيء، والجواب على هذا الاستدلال السقيم أن الخالق لا يعجزه شيء، وإذا كان المخلوق لا يمكنه أن يصنع شيئًا من لا شيء، فالخالق قدرته ليس لها حدود؛ فهو على كل شيء قديرٌ، قادر على خَلْق الأشياء من عدم، وقادر على خلق الأشياء من جنسها، وقادر على خلق الأشياء من غير جنسها، وقادر على إفناء الأشياء؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، والعلم لا يدري ماذا كان قبل الانفجار، ولا يدري من أين جاءت المادة التي نشأ منها الكون؟ فلا ينبغي لنا أن نتكلم فيما لا نعلمه، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، وكون المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم هذا كلام تجريبي على المادة التي نتعامل معها ونختبرها، أما المادة الأولى لنشأة الكون فلا سبيلَ للعلم للوصول إليها، فضلًا عن أن يختبرها.

 

دعوى الملاحدة أن المفردة التي نشأ منها الكون أزلية:

ادَّعى بعض الملاحدة أن المفردة التي نشأ منها أو المادة التي نشأ منها أو السديم أو المادة الأولى للكون - أزلية، وهذا كلام بلا دليل، والجواب عليه من وجوه:

الوجه الأول: أن العلم لا يدري ماذا كان قبل الانفجار، ولا يدري من أين جاءت المادة التي نشأ منها الكون وتطوَّرَ منها كل شيء؟

 

الوجه الثاني: ليس هناك ما يدعو إلى أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم.

 

الوجه الثالث: الفضاء والزمان وجدوا مع الانفجار العظيم، والمادة هي كل ما له كتلة وحجم، ويَشغَل حيزًا في الفراغ؛ أي: المادة تحتاج إلى مكان أو حيز ليحويها، وبالتالي لا مادة دون وجود المكان الذي سيحويها.

 

الوجه الرابع: كون الكون تطوَّرَ من المادة الأولى إلى الحالة التي هو عليها، فهذا يدل على أن المادة الأولى قد طرأ عليها التغيُّر والتبدُّل، وما يجري عليه التغير والتبدل لا يكون أزليًّا؛ لأن كل ما يتغير ويتبدل لا بد له من مغيِّر ومبدل؛ أي: لا بد له من سبب يغيِّره ويبدِّله، وهذا السبب لا بد أن يكون سابقًا له؛ مما ينافي الأزلية، وما دامت المادة الأولى احتاجت إلى سبب يغيرها من حال إلى حال، وسببٍ يبدلها من حال إلى حال - فالمادة محتاجةٌ إلى غيرها، غير مستغنية بنفسها، مما يدل على أن المادة حادثة، ولو كان الأصل فيها الوجود الأزلي لم تكُنْ عُرضة للتحول والتغير والتبدل.

 

الكون ممكن الوجود، وهذا ينافي الأزلية:

هذا الكون - بكل ما فيه من مجرات، ونجوم، وكواكب، وبحار، وأنهار، ومحيطات، ونباتات، وحيوانات، وغير ذلك - يقبل الوجود والعدم؛ فإننا نرى أعيان ما في الكون تموت وتحيا، وتوجد وتنعدم، وكانت غير موجودة ثم وجدت، ونعلم أن المجرات والنجوم والكواكب والحيوانات والنباتات والجمادات لم تكن موجودة ثم وجدت، وعليه فلا مانع عقلًا من انعدام الكون، ولا يلزم من فرض وجود الكون محال، ولا يلزم من فرض عدمه محال، وهذه صفات ممكن الوجود، وممكن الوجود الأصل فيه العدم؛ إذ لو كان الأصل فيه الوجود، لكان واجبَ الوجود، فلا يكون مع ذلك ممكن الوجود والعدم، وإذا كان الكون مسبوقًا بالعدم فلا بد من وجود مَن رجَّح وجود الكون على عدمه؛ لبطلان الترجيح بلا مرجح، والممكن لا يوجد بنفسه، بل بغيره، ولا يكون كذلك إلا ما كان محدَثًا، وهذا ينافي الأزلية.

 

القول بأزلية الكون يستلزم وجود أحداث لانهائية تمَّتْ في الكون، وهذا باطل:

القول بأزلية الكون يستلزم وجود أحداث لانهائية تمَّتْ في الكون، ولا يمكن أن يكون هناك عدد لانهائي من الأحداث تم في الكون؛ لأن أحداث الماضي واقعية، وليست مجرد أفكار؛ فإن عدد أحداث الماضي يجب أن يكون نهائيًّا؛ أي: يجب أن يكون له بداية.

 

الكون بالموجودات التي فيه يعتريه التغير والتبدل، وهذا ينافي القول بأزليته:

الكون يحمل دائمًا صفات حدوثه؛ إذ من المشاهَد أن الكون بالموجودات التي فيه - من مجرات، ونجوم، وكواكب، وغير ذلك - يتغير من حال إلى حال، ويتبدل من حال إلى حال، وكل ما يتغير ويتبدل لا بد له من مغيِّر ومبدِّل؛ أي: لا بد له من سبب يغيره ويبدله، وهذا السبب لا بد أن يكون سابقًا له؛ مما ينافي الأزلية، وما دام الكون يحتاج إلى سبب يغيره من حال إلى حال، وسبب يبدله من حال إلى حال - فالكون محتاج إلى غيره، غيرُ مستغنٍ بنفسه؛ مما يدل على أن الكون حادث، ولو كان الأصلُ في الكون والموجودات التي فيه الوجودَ الأزلي، لم يكن عُرضة للتحوُّل والتغير والتبدل.

 

وقال الشيخ عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني - رحمه الله -: (فالأدلة العقلية الفلسفية تُثبت لنا حدوثَ العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه؛ وذلك لأن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لا بد له من علة، وتسلسلًا مع العلل للمتغيرات الأولى، سنصل حتمًا إلى نقطة بَدءٍ نقرر فيها أن هذا الكون له بداية، في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لا بد أن نقرر أن خالقًا أزليًّا لا يمكن أن يتصف بصفاتٍ تقتضي حدوثه، وهذا الخالق هو الذي خلَق هذا الكون وأمده بالصفات التي هو عليها)[1].

 

الكون مِن أدقِّ دقائقِه إلى أكبرِ وَحداته في حركة دائرية؛ مما ينافي الأزلية:

من المعلوم أن الكون مِن أدقِّ دقائقه إلى أكبرِ وَحداته في حركة دائرية، وعلى سبيل المثال: الإلكترون يدور حول نواة الذرة، والأرض تدور حول الشمس، والقمر يدور حول الأرض، والمجموعة الشمسية تدور حول مركز المجرة، والمجرة تدور حول مركز تجمع مَجَري، والشيء الدائر لا بد أن تكون له نقطة بداية بدأ منها دورته، وبما أن الكون بأكمله في حركة دائرية فلا بد أن تكون له بداية بدأ منها، وهذا ينافي الأزلية.

 

استمرار انتقال الحرارة من الأجسام الساخنة إلى الأجسام الباردة ينافي أزلية الكون:

حسب قانون الديناميكا الحراري الثاني فإن الحرارة تنتقل من الجسم الساخن إلى الجسم البارد، والطاقة المركزة الموجودة في نظام معزولتنتشر وتتوزع فيه بالتساوي مع مرور الزمن، والاختلافات في تركيز الطاقة تختفي بمرور الوقت، وتتساوىدرجة الحرارة بمرور الوقت، ومعنى ذلك أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام، وينضب فيها معين الطاقة، وهو ما يعرف بالموت الحراري، وعندها لن تكون هناك عمليات كيميائية أو فيزيائية، ولن يكون هناك أي أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة ما زالت قائمة، والعمليات الكيميائية والفيزيائية ما زالت مستمرة - فهذا يستلزم أن الكون لا يمكن أن يكون أزليًّا، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود.

 

ظاهرة الإشعاع الحراري تنافي أزلية الكون:

من المعلوم أن الأجسام الساخنة تشع طاقة حرارية، ويطلق على الإشعاعات الصادرة عن الأجسام بفعل حرارتها اسم: الإشعاع الحراري، ومن الأجسام التي تشع طاقة حرارية: النجوم، والكون مليء بالعديد من النجوم، وهذه النجوم عبارة عن أجرام سماوية شديدة الحرارة، ملتهبة مشتعلة، تبعث العديد من الإشعاعات، وموت النجوم يكون بانتهاء وقوده/ منغاز الهيدروجين الذي يزودها بالطاقة، فإذا ما نفِدَت هذه المادة انكمش النجم، وتقلَّص حجمه إلى أقلَّ مما كان عليه بملايين المرات، ثم انهار وفقَدَ نشاطه، وما دامت الشمس والكثير من النجوم ما زالت مشتعلة وتبعث الإشعاعات، إذًا فلا بد من وجود بداية لها؛ لأنها لو كانت أزلية لنفِد وقودها منذ مليارات السنوات.

 

نظرية الانفجار العظيم تنافي أزلية الكون:

تقول نظرية الانفجار العظيم Big Bang: إن الكون نشأ من كتلة واحدة، ثم انفجرت وتباعدت أجزاؤها وتناثرت، وفي اللحظات الأولى من الانفجار الهائل ارتفعت درجة الحرارة إلى عدة تريليونات، حيث خلقت فيها أجزاء الذرات، ومن هذه الأجزاء خلقت الذرات، وهي ذرات الهيدروجين والهليوم، ومن هذه الذرات تألَّفَ الغبار الكوني الذي نشأت منه المجرات فيما بعد، ثم تكوَّنت النجومُ والكواكب، وما زالت تتكون حتى وصل الكون إلى ما نراه عليه اليوم، وما دام الكون له بداية، فكيف يكون أزليًّا؟!

 

ومن أدلة حدوث الانفجار العظيم: وفرة غاز الهيدروجين والهيليوم في الكون، وإشعاع الخلفية الكونية، وتوسع الكون باستمرار.

 

ونعلم أن أي انفجار لا يكون إلا مخرِّبًا وهادمًا ومشتِّتًا ومبعثرًا للمواد، ولكن عندما نرى أن انفجارًا بهذا العنف وبهذا الهول يؤدي إلى تشكيل وتأسيس كون منظَّمٍ غاية النظام، فإن وراءه يدَ قدرةٍ وعلم وإرادة فوق الطبيعة، وهي يد الله - سبحانه وتعالى.

 

وفرة غاز الهيدروجين والهيليوم في الكون تنافي أزلية الكون:

وجد العلماء أن غاز الهيدروجين يكون أكثر قليلًا من (74%) من مادة الكون، ويليه في النسبة غاز الهيليوم الذي يكون حوالي (24%) من تلك المادة، ومعنى ذلك أن أخف عنصرين يكونان معًا أكثر من (98%) من مادة الكون المنظور، أما بقية العناصر مجتمعة فتكون أقل من (2%) من مادة الكون، ونِسب وجود غازَي الهيدروجين والهيليوم في الكون تتطابق مع حسابات نظرية الانفجار العظيم، ولو كان الكون أزليًّا، لاحترق جميع الهيدروجين وتحوَّل إلى غاز الهيليوم.

 

احتجاج الملاحدة بنظرية الحالة الثابتة أو نظرية الحالة المستقرة على أزلية الكون:

يحتجُّ الكثير من الملاحدة بنظرية الحالة الثابتة أو نظرية الحالة المستقرة Steady State theory أو نظرية الكون اللامتناهي، أو الخلق المستمر - على أن الكون أزلي، وموجود منذ الأبد لا يتغير، وهذه النظرية عبارة عن نموذج تم تطويره في عام1949من قِبَلِ فريد هويلو توماس غولد وهيرمانبوندي وآخرين كبديل عن نظرية الانفجار العظيم، وحسب نظرية الحالة الثابتة، هناك مادة جديدة تتشكل وتُخلَق باستمرار مع توسع وتمدد الكون، بحيث يؤمَن الحفاظ على المبدأ الكوني المثالي، وقد تراجع الكثير من العلماء عنها في أواخر الستينيات مع اكتشافهم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation.

 

وإشعاع الخلفية الكونية ما هو إلا ضوء خافت يملأ الكون، ساقط نحو الأرض من كل الاتجاهات بشدة ثابتة تقريبًا، ويمكن القول: إنه الحرارة المتبقية من الخلق - بقايا التوهج الناتج عن الانفجار الأعظم - التي ظلت تتدفق عبر الفضاء خلال الـ: 14 مليار سنة الماضية، فعندما كان الكون صغيرًا جدًّا، وقبل تكوُّن النجوم والمجرات، كان شديد الحرارة، وكان يملؤه دُخَان ساخن جدًّا موزع توزيعًا متساويًا في جميع أنحائه، ومكونات هذا الدخان كانت بلازما الهيدروجين؛ أي: بروتونات وإلكترونات حرة من شدة الحرارة وعِظم الطاقة التي تحملها.

 

وبدأ الكون يتمدد ويتسع، فبدأت بالتالي درجة حرارة البلازما تنخفض إلى الحد الذي تستطيع فيه البروتونات الاتحاد مع الإلكترونات مكونة ذرات الهيدروجين، وأصبح الكون مضيئًا، وانتهت فترة الظلمة، وكانت الفوتونات الموجودة تنتشر في جميع الأرجاء، إلا أن طاقتها بدأت تضعف؛ حيث يملأ نفس عدد الفوتونات الحجم المتزايد بسرعة للكون، وهذه الفوتونات هي التي تشكل اليوم إشعاع الخلفية الكونية، وانخفضت درجة حرارتها عبر نحو 14 مليار سنة الماضية، هي العمر المقدر فلكيًّا للكون.

 

ويعتبر إشعاع الخلفية الكونية من الأدلة الهامة على صحة نظرية الانفجار العظيم؛ فقد قال العلماء: لو كان هناك مثل هذا الانفجار، لكان من الضروري أن يخلِّف وراءه إشعاعًا، وفعلًا تم العثور على هذا الإشعاع عام 1989م.

 

توسع الكون باستمرار ينافي أزليته:

لاحَظ العلماء أن هناك مجرات في الكون تتحرك مبتعدة بعضها عن بعض، وأن الأجسام السماوية تترك عند تحليل طيفها لونًا أكثر احمرارًا في حال كانت تقترب من مركز المراقبة، ولكنه يميل إلى الأزرق عندما تبتعد؛ فالضوء المنبعث من النجوم في مجرات بعيدة ينحرف نحو موجات الضوء الحمراء والطويلة للطيف، وهذه الظاهرة، تدعى الإزاحة الحمراء red shift، فسرت على أنها ناتجة عن الحركة السريعة للمجرات في ابتعاد كل منها عن الأخرى، وأصبح بمقدور العلماء أن يحسبوا سرعة حركة المجرة من الانحراف الأحمر.

 

وقد أعلن أدوين هابل عام 1929م أن المجرات تبتعد عنا بسرعة تتناسب طرديًّا مع بُعدِها عنا؛ أي: إن الكون يتمدد ويتوسع باستمرار، وما دام الكون في توسع دائم، إذًا لو عدنا بحساباتنا إلى الوراء، فمن الضروري أن الكون في الماضي كان كله متركزًا في نقطة واحدة، أطلق عليها العلماء اسم: الذرة البدائية، أو الحساء الكوني.

 

وتوسع الكون ينافي أزليته، فإذا كان الكون يتمدد، وكان أزليًّا، لكان قد تبعثر، وتناثرت مادة الكون، وتشتت الكون.

 

احتجاج الملاحدة بفرضية الكون المتذبذب:

يحتجُّ بعض الملاحدة على أزلية الكون بفرضية تدعى: الكون المتذبذب، وهذه النظرية ترى أن الكون نشأ من انفجار أعقبه انسحاق أعاد الكون إلى حالة المفردة، ثم أعقب ذلك انفجار، ثم انسحاق، ثم انفجار، ثم انسحاق، وهكذا إلى ما لانهاية في القدم، وهذه النظرية مجرد ظن لا يغني من الحق شيئًا؛ فلا دليل على أن كوننا كان قد سبقه كون منسحق، وحسب قوانين الديناميكا الحرارية يستحيل أن تكون هناك انفجارات أزلية؛ لأن كل انفجار يجب أن ينتج كونًا له عمر أطول من الكون السابق؛ أي: دورة الكون السابق أقصر من الكون اللاحق، فإذا رجعنا إلى الوراء، سيتقلص زمن كل كون في هذه السلسلة، ونعود إلى كون زمن دورته صفر، فنسأل عن هذا الانفجار الأول، وعن المؤثر الذي أحدثه، وستكون هذه هي بداية دورات التذبذب، وأيضًا يستحيل تحقق اللانهائية في الواقع؛ فهو مفهوم رياضي يستحيل تحققه في العالم المادي، ولا يمكن أن يكون هناك عدد لانهائي من الأكوان تم في الماضي؛ لأن أحداث الماضي واقعية، وليست مجرد أفكار؛ فإن عدد أحداث الماضي يجب أن يكون نهائيًّا؛ أي: يجب أن يكون له بداية.


هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

مراجع المقال:

1- أوهام الملحدين أوهى من بيت العنكبوت، شحاته صقر.

2- الشرك في القديم والحديث، أبو بكر محمد زكريا.

3- الفيزياء ووجود الخالق، د. جعفر شيخ إدريس.

4- الله يتحدى الملحدين، د. محمد شيخاني.

5- خرافة الإلحاد، د. عمرو شريف.

6- للكون إله، د. صبري الدمرداش.

7- موقف الإسلام من نظرية ماركس، أحمد العوايشة.

8- العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية، د. فرج الله عبدالباري.

9- صراع مع الملاحدة حتى العظم، الشيخ عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني.



[1] صراع مع الملاحدة حتى العظم للشيخ عبدالرحمن الميداني ص 97.